حسن الأمين
284
مستدركات أعيان الشيعة
الديوان أو رئيس كتابه ) . ( 1 ) وإلى جانب الباشا أقام السلطان سليم ديوانا ، استعيض عنه بديوانين في عهد السلطان سليمان القانوني : الديوان الكبير ، والديوان الصغير ، وكان الأول يتالف من رؤساء الأوجاقات وهي الفرق العسكرية العثمانية ، وضباطها الأغوات ، وأمير الحج ورؤساء المذاهب الأربعة والقاضي ، « نائب عن السلطان في الأحكام الشرعية ، يحضر في كل سنة من إسلامبول إلى مصر وخدمته أن يحكم بين الناس بالوجه الشرعي » ، وكان للقاضي التركي نواب في القاهرة وفي الأقاليم ، ثم كبار أصحاب الوظائف والعلماء ، وأما الديوان الصغير فكان يتالف من كتخدا الباشا والدفتردار « وعليه الحضور في كل ديوان لتحصيل الأموال الميرية بموجب دفتر الروزنامجي » ، والروزنامجي « كبير الأفندية والحاكم عليهم ، وخدمته تحصيل الأموال الأميرية وصرفها في مرتباتها المرتبة بموجب دفتر السلطان سليم » ، وكذلك كان يحضر هذا الديوان الصغير مندوبون من الأوجاقات . وكان الديوان الكبير يفصل في الموضوعات الهامة ، ولا يجتمع إلا بأمر الباشا ومع ذلك فقد كانت له سلطة نقض أوامر الباشا نفسه ، وأما الديوان الصغير فكان ينعقد باستمرار للنظر في شؤون البلاد العامة ، وعلى الباشا القيام بتنفيذ قراراته . ومما هو جدير بالملاحظة أن الباشا كان مسلوب السلطة فعلا في كل من الديوانين ، كما أن أصحاب الأثر الفعال في الحكم والإدارة ، والعنصر البارز في حكومة مصر في ذلك العهد ، كانت الأوجاقات ، وهذه كانت ستة ، بلغ عدد رجالها عندما ترك سليم البلاد الاثني عشر أو الأربعة عشر ألفا ، ثم أضاف إليها السلطان سليمان القانوني أوجاقا سابعا من المماليك الذين طلبوا خدمة السلطان ، فكان رجال الأوجاقات « هم أصحاب الكلام وعليهم الاعتماد ، وهم المديرون بالقاهرة » ، ومن خدماتهم عدا حضور الديوان ، حفظ القلاع في الحدود المصرية وتحصيل الأموال الأميرية ، والاشراف التام في القاهرة على الباشا ورجاله سواء بواسطة كبراء الأوجاقات المقيمين في القاهرة ، أو بواسطة من يقيم منهم في الأقاليم وعلى الخصوص ، الجوربجية ، وكان أوجاق ( الانكشارية ) أهم هذه الأوجاقات السبعة ( 2 ) ( فالانكشارية هم أوجاق السلطان ) ولأغا الانكشارية الرئاسة العليا على ضبط القاهرة ، ومنهم كبار أصحاب الوظائف كالتخدا ، والجوربجية ( ويطلق في الاستعمال العثماني على ضباط الانكشارية وعلى « مختاري القرى المتقدمين فيها ، أو بعبارة أخرى على أعيان الجهات » ) ، وخلافهم . وكان قوام الأداة الحكومية في الأقاليم « الصناجق » ، ( مفردها صنجق ، من التركية سنجاق ، وهي العلم والقسم من ولاية كبيرة ، والحاكم على قسم من الولاية ) ، وهم أصحاب الحكم وعددهم متغير ، يحتفظ السلطان بتعيين صناجق الثغور الهامة ، وهم « قبودان إسكندرية ، وقبودان دمياط ، وقبودان السويس » ثم كتخداء الوزير أو الباشا ويحضرون من القسطنطينية ، وأما بقية الصناجق فيعينون في مصر ، ومنهم صنجق الخزنة وأمير الحج ، وحكام الولايات أو الأقاليم ، والخفر بالقاهرة ، ويلاحظ مما تقدم أن الصنجق لم يكن دائما من حكام الأقاليم كما كان تعيين الصناجق ووكلائهم ويعرفون باسم ( الكشاف ) يحدث من بين البكوات المماليك المتنافسين على هذه الصنجقات ، ونتيجة ذلك أن أصبحت الحكومة الإقليمية في الحقيقة في أيدي البكوات المماليك . فوضى الحكومة وعلى ذلك فقد شاهد العهد العثماني - المملوكي في مصر وجود سلطات ثلاث : الباشا ، والأوجاقات ، والمماليك ، ولما كانت حكومة الآستانة تكثر من تولية الباشاوات وعزلهم ، وكان هؤلاء في خلاف مستمر مع رؤساء وضباط الأوجاقات ، وهذا بينما تعود الجند العثماني ورجالهم الحياة الهادئة في مصر ، فقد انفسح المجال لانفراد المماليك البكوات بالسلطة الفعلية في البلاد تدريجيا ، وبخاصة لأن هؤلاء كانوا أقرب في الحقيقة إلى المصريين في حياتهم وأعرف بشئونهم من السلطات الأخرى . ومن أواخر القرن السابع عشر استتب للبكوات المماليك الأمر من غير منازع ، بسبب انشغال الدولة العثمانية بحروبها في أوروبا وكذلك استفاد البكوات المماليك من حروب تركيا في القرن التالي لدرجة أن طغى نفوذهم على كل سلطة للباشا ، وصارت لزعيمهم الذي عرف باسم « شيخ البلد » الكلمة العليا ، يعزل الباشا ويقيم على حبسه في القلعة ، ثم طمع البكوات المماليك في الانفراد بكل سلطة وطرد العثمانيين من البلاد وقطع صلاتهم بتركيا . البكوات المماليك على أن العهد الذي حاول في خلاله هؤلاء البكوات المماليك الاستئثار بالسلطة كان في الحقيقة عهد فوضى واضطراب ، استمر طيلة القرن الثامن عشر . ولعل أهم ما يلاحظ فيه ، ذلك النضال المستمر بين البكوات أنفسهم وجماعاتهم في سبيل التمتع بالحكم مع ما يجره ويسببه هذا النضال من إغفال تام « للباشا » الذي كان يقابل عند تنصيبه وحضوره إلى مصر بكل حفاوة واحترام ظاهرين في مبدأ الأمر ، حتى إذا استقر به المقام قليلا بدت له الحقيقة الواضحة ، وهي أنه مسلوب السلطة والنفوذ الفعلي ، ثم إنزال صنوف الارهاق بالأهالي الذين قد تربطهم الظروف بساحة هؤلاء المتخاصمين ، بينما تظل الأكثرية ، ما دامت بعيدة عن مناطق النزاع ، لا يحيق بها سوى السوء المترتب على هذه الفوضى عموما . والواقع أنه ما كان يشترك في هذه المنازعات المملوكية سوى البكوات وأتباعهم وأهل بيوتهم . وكان مثار النزاع هو التنافس على « مشيخة البلد » . وأما تتبع هذا النزاع فهو قصة طويلة ( 3 ) ، تبدأ بظهور المناقشة بين بيتين من بيوت المماليك : القاسمية وكان منهم شيخ البلد ، وذو الفقارية وكانوا يطمحون إلى المشيخة ، وكثيرا ما لجا المتخاصمون من أهل هذين البيتين إلى فض منازعاتهم خارج القاهرة في المنبسط القريب من ( قبة العرب ) ، حتى إذا استلم مشيخة البلد إسماعيل بك - وهو من القاسمية - استطاع أن يجمع مؤقتا كلمة المماليك في هدنة على أساس معارضة « الباشا » وبفضل ذلك تمكن إسماعيل بك أن يتمتع بمنصب المشيخة مدة الستة عشر عاما ، حضر إلى مصر في أثنائها ، ثم غادرها إلى الآستانة ، عدد من الباشوات بلغوا خمسة عشر ، ولو أن هذا بطبيعة الحال لم يكن معناه استتباب الهدوء في القاهرة طوال هذه المدة . فقد ظلت الاشتباكات بين المماليك وبكواتهم كما كانت ، حتى قتل إسماعيل بك نفسه في عام 1723 . وقد أثار مقتله النضال الشديد بين القاسمية والفقارية حتى استطاع عثمان كاشف ، وكان يتبع الفقارية ، أن يصل إلى مشيخة البلد ( 1740 ) . ومع أنه كان إداريا ماهرا ، فقد واجهته صعوبات سببها انتشار الوباء ، والمجاعة التي تلت ذلك ، ثم ما كان يخشاه من ازدياد نفوذ إبراهيم كتخدا الانكشارية وإسماعيل رضوان كتخدا العرب . وقد استطاع كلاهما الوصول إلى مرتبة
--> ( 1 ) شفيق غربال بك . مصر عند مفرق الطرق ص 11 . وهامش 2 من الصفحة ذاتها . ( 2 ) وهي : متفرقة ، وجاوشان ، وجمليان ، وتفكشيان ، وجراكسة ، ومستحفظان ، وعزبان . راجع شفيق غربال بك ص 17 وما بعدها . ( 3 ) . . 363 - 324 . Delaporte . PP